محمد علي الحسن
95
المنار في علوم القرآن
فالصحابة رضوان اللّه عليهم قد شاهدوا الوحي ونزوله ، وقد بلّغهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما كان ينزل عليه من الآيات ، وقد بلغونا بما بلغهم ، بل أخبرونا بالمكان والزمان الذي نزلت فيه الآيات ، بل بلغت بهم الدقة أن أخبرونا بما نزل منه ليلا أو نهارا ، وما نزل منه في سفر أو في حضر ، في سهل أو في جبل ، بالصيف أو بالشتاء ، وما نزل بيت المقدس والجحفة والطائف والحديبية ، فعن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال : ( واللّه الذي لا إله غيره ، ما نزلت آية في كتاب اللّه ، إلّا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت ) « 1 » . وروي مثل ذلك عن وهب بن عبد اللّه بن أبي الطفيل ، قال : شهدت عليا رضي اللّه عنه يخطب ويقول : ( سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء إلّا أخبرتكم ، وسلوني عن كتاب اللّه ، فوالله ما من آية إلّا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار ، في سهل أم في جبل ) . فأمر معرفة المكي والمدني سماعي عن الصحابة رضوان اللّه عليهم لأنهم شاهدوا الوحي ونزوله ، وعرفوا مكانه وزمانه ، وقولهم في ذلك له حكم المرفوع عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأن ذلك مما لا مجال للرأي فيه ، فإذا صح القول عن الصحابي قبل ولا يعدل عنه إلّا بدليل أقوى يقتضي هذا العدول . وقد ألحق الباقلاني قول التابعي فجعله كقول الصحابي ، لأن كبار التابعين قد شاهدوا من شاهد نزول الوحي ، ونقلوا إلينا أقوالهم ، فإذا ما أخبرونا بأن هذه الآية مكية قبل قولهم ، وقد قبل الإمام الشافعي مراسيل كبار التابعين في الحديث ، أفلا يقبل إخبارهم بمكان نزول الآيات . سأل رجل عكرمة عن آية من القرآن فقال : ( نزلت في سفح ذلك الجبل ) ، وأشار إلى سلع ، فإخبار عكرمة بذلك لا يكون إلّا إذا سمعه من الصحابة الذين عرفوا هذا المكان ، فأخبروه بما رأوا وسمعوا ، ولا أدل على ذلك من أن ابن مسعود رضي اللّه عنه على الرغم من القول الذي نقل عنه في معرفة زمان ومكان النزول ، إلّا أن ما
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه . كتاب فضائل القرآن . باب القراء من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ح ( 5002 ) .